لغة الأرقام غالباً ما تحكي القصة كاملة. “أرامكو السعودية”، عملاق النفط العالمي، سجلت قفزة لافتة بـ 25% في أرباحها للربع الأول لتلامس 32.5 مليار دولار. هذه الطفرة، التي تأتي بعد تراجع سنوي بحدود 12% في 2025، لم تكن مجرد انعكاس لحالة السوق العادية، بل هي نتيجة مباشرة للحرب الإيرانية التي لخبطت أوراق الإمدادات ودفعت الأسعار للتحليق. رأينا خام برنت يكسر حاجز 103.91 دولار للبرميل؛ ورغم أنه تراجع قليلاً عن الذروة الجنونية التي تجاوزت 119 دولاراً في قلب المعارك، إلا أنه لا يزال أغلى بكثير من مستويات السبعينات التي استقرت عندها الأسواق أواخر فبراير قبل اندلاع شرارة النزاع.
صمام الأمان: خط شرق-غرب السؤال هنا: كيف نجحت أرامكو في تحويل الأزمة إلى فرصة؟ الإجابة تكمن في البنية التحتية الاستراتيجية. الشركة وبكل بساطة وجهت جزءاً مهماً من صادراتها نحو خط الأنابيب “شرق-غرب” الذي ينقل النفط من حقول المنطقة الشرقية إلى البحر الأحمر، متفادية تماماً صداع مضيق هرمز. أمين الناصر، كبير الإداريين التنفيذيين لأرامكو، أوضح المشهد بشفافية حين أكد أن الخط يعمل حالياً بطاقته القصوى البالغة 7 ملايين برميل يومياً. الناصر يرى أن هذا الخط “يساهم بشكل فعال في تخفيف صدمة الطاقة العالمية ويوفر شريان حياة للعملاء”. بطبيعة الحال، هذا الرقم يمثل جزءاً من قدرة أرامكو الإنتاجية التي لامست 11.1 مليون برميل يومياً في الربع الأخير من 2025، لكنه في ظروف الاختناق الحالية يمثل طوق نجاة حقيقي للسوق.
هرمز في قلب العاصفة.. والإبحار بلا تتبع لفهم حجم الأزمة، يكفي أن نتذكر أن مضيق هرمز كان يمر عبره حوالي 20% من النفط العالمي المتداول يومياً، ناهيك عن الإمدادات الضخمة للغاز الطبيعي والأسمدة والمنتجات البترولية. اليوم، وبعد الهجوم الأمريكي الإسرائيلي في 28 فبراير، أحكمت إيران فعلياً قبضتها على الممر المائي الحرج، وزاد الطين بلة الحصار البحري الذي فرضته الولايات المتحدة الشهر الماضي والذي عقد عمليات العبور بشكل غير مسبوق.
هنا تبرز المفارقة: في حين تعتمد السعودية على شبكة أنابيبها لتجاوز الفوضى، تجد أطراف إقليمية أخرى نفسها مضطرة للجوء إلى أساليب أكثر خطورة لتصريف نفطها. البيانات الملاحية من “كبلر” (Kpler) و”إل إس إي جي” (LSEG) تكشف عن توجه متزايد للحفاظ على استمرار الصادرات، ولكن عبر ناقلات تعبر المضيق في الظلام التام بأجهزة تتبع (AIS) مطفأة تماماً لتجنب أي استهداف إيراني.
مناورات إقليمية وتصريف النفط العالق هذا “الأسطول المظلم” التكتيكي شهد الأسبوع الماضي، ويوم الأحد تحديداً، خروج ثلاث ناقلات بهذه الطريقة. نتحدث عن ناقلات نفط خام عملاقة (VLCC) مثل “أجيوس فانوريوس 1” و”كيارا إم”، كل منهما تحمل مليوني برميل من الخام العراقي. “أجيوس” تمكنت أخيراً من العبور بعد محاولتين فاشلتين منذ تحميلها بخام البصرة المتوسط في 17 أبريل، وهي الآن في طريقها لتفريغ حمولتها في مصفاة “نجي سون” الفيتنامية بحلول 26 مايو. أما “كيارا إم”، التي ترفع علم سان مارينو وتديرها شركة مقرها شنغهاي، فغادرت الخليج بنفس أسلوب التخفي وبوجهة لا تزال غامضة.
المشهد لا يقتصر على العراق؛ فـ “أدنوك” الإماراتية ومشتريها يخوضون نفس التحدي. ناقلة “بصرة إنيرجي” العملاقة حملت مليوني برميل من خام زاكوم العلوي من محطة زركو في 1 مايو، لتتسلل خارج مضيق هرمز في 6 مايو، وتفرغ حمولتها في محطات الفجيرة بعد يومين، في محاولات حثيثة لتحريك النفط الذي حاصرته صراعات الشرق الأوسط.
أمن الطاقة بعيداً عن الشعارات هذا المشهد المعقد، بشقيه الآمن والمحفوف بالمخاطر، يعيدنا إلى نقطة جوهرية لخصها أمين الناصر، وهي أن الأحداث الأخيرة أثبتت للجميع المساهمة الحيوية للنفط والغاز في استقرار الاقتصاد العالمي، وذكرت العالم بأن تأمين إمدادات طاقة موثوقة ليس مجرد شعار، بل ضرورة قصوى لا تحتمل المساومة. وأمام هذه الرياح الجيوسياسية المعاكسة، يتضح أن الرهان الرابح يتمثل في البنية التحتية الاستراتيجية التي تتيح المرونة في أحلك الظروف، في حين أن غياب هذه البدائل يجبر أسواق النفط على حبس أنفاسها مع كل ناقلة تضطر للإبحار في العتمة.