بينما يبحث المستثمر الذكي دائماً عن التدفقات النقدية المستقرة، تعطينا السوق المحلية أمثلة ممتازة على قوة الشركات التشغيلية وقدرتها على ضخ الكاش. خذ شركة “سال السعودية للخدمات اللوجستية” على سبيل المثال، التي أظهرت مرونة واضحة في نتائجها المالية للربع الثاني من عام 2025. الشركة سجلت ارتفاعاً في صافي أرباحها بنسبة 4% لتصل إلى حوالي 162.2 مليون ريال، متفوقة على أرقام الربع المماثل من العام الماضي، ومسجلة نمواً ربعياً بـ 6% مقارنة بصافي ربح 153.1 مليون ريال في بداية العام الحالي.
السر وراء هذا التماسك ليس سحراً، بل إدارة تشغيلية ذكية. إيرادات قطاع المناولة زادت 2% لأن الشركة راجعت وحسنت باقة خدماتها، ونجحت ببراعة في تحويل عملاء الرحلات المستأجرة أو غير المجدولة إلى عقود طويلة الأجل مع شركات الطيران. هذا التحرك التكتيكي عوّض التراجع الطفيف في أحجام الشحنات. ورغم أن الإيرادات الإجمالية للربع الثاني انخفضت بنسبة بسيطة (3%) لتسجل 394 مليون ريال بسبب اختلاف توقيت بعض المشاريع في قطاع الخدمات اللوجستية، إلا أن الشركة مستمرة في التركيز على بناء قدراتها الأساسية وضبط تكاليفها لضمان نمو مستدام.
طبعاً، إذا نظرنا للصورة الأشمل للنصف الأول من 2025، سنلاحظ تراجعاً في الأرباح بنسبة 13% لتصل إلى 315.3 مليون ريال، وانخفاضاً في الإيرادات بنسبة 9% لتبلغ 778 مليون ريال. لكن هذا مبرر جداً ومنطقي، فنحن نقارن بفترة استثنائية جداً في الربع الأول من 2024 التي شهدت أرقام مناولة ضخمة نتيجة لاضطرابات سلاسل الإمداد في البحر الأحمر. الوضع الآن مجرد عودة للمستويات الطبيعية والصحية للسوق. والخبر الأهم للمساهمين هو قرار مجلس الإدارة في 6 أغسطس بتوزيع 121.6 مليون ريال أرباحاً نقدية مرحلية عن هذا الربع، بواقع 1.52 ريال للسهم الواحد، أي ما يعادل 15.2% من القيمة الاسمية. هذه التوزيعات ستكون من نصيب الملاك المقيدين بنهاية تداول 21 أغسطس 2025، على أن يبدأ الصرف وإيداع المبالغ في 9 سبتمبر.
هذا الأداء المحلي القوي يفتح أعيننا على استراتيجية استثمارية أوسع: البحث عن أسهم العوائد التي تدر تدفقات نقدية ممتازة وتتداول بتقييمات مجحفة. وإذا التفتنا للأسواق العالمية، سنجد أن هناك أسهماً تدفع توزيعات سخية جداً، وتقدم فرصة صعود قد تتجاوز 100% خلال السنة أو السنتين القادمتين. المشكلة أن الكثير من المستثمرين يتجاهلونها أو يهربون منها بسبب الذعر المؤقت من تأثير أدوية إنقاص الوزن (GLP-1) على عادات الاستهلاك، أو بسبب الضغط المالي الناتج عن أسعار الفائدة المرتفعة وتراجع هوامش الربحية. شراء هذه الأسهم وقت تراجعها قد يكون أذكى قرار استثماري للمدى الطويل.
جنرال ميلز: عملاق الأغذية تحت ضغط الفائدة لنأخذ سهم شركة “جنرال ميلز” (GIS) كمثال صارخ. الشركة التي تبيع الأغذية المعبأة والوجبات الخفيفة وحبوب الإفطار تعرضت لضربة تسببت في هبوط السهم من قمته عند 90 دولاراً إلى حوالي 34.8 دولار. هل تراجعت المبيعات بشكل كارثي؟ أبداً. الإيرادات انخفضت من ذروتها البالغة 20.09 مليار دولار في السنة المالية 2023 إلى 19.5 مليار دولار في 2025. هذا التراجع العابر في النمو شهدناه سابقاً بين عامي 2014 و2017 عندما هبطت الإيرادات من 17.9 مليار إلى 15.6 مليار دولار، وتراجع السهم وقتها من 64 إلى 44 دولاراً قبل أن يعود للتعافي القوي. الجاني الحقيقي هنا ليس مجرد تراجع مبيعات الوجبات الخفيفة، بل هو عبء الفائدة بشكل أساسي؛ فالشركة سجلت خسائر فوائد صافية بـ 524.2 مليون دولار في 2025 مقارنة بـ 379.6 مليون دولار في 2023. مع بدء دورة خفض الفائدة المتوقعة واستقرار الهوامش، ارتداد السهم مسألة وقت لا أكثر. أنت اليوم تشتري بمكرر أرباح 8.5 مرة فقط، وتحصل على عائد توزيعات 7% للرهان على هذا التعافي، بل إن العائد على المساهمين يصل إلى 8.6% إذا حسبنا عمليات إعادة شراء الأسهم.
فلاورز فودز: مخبوزات بعوائد مغرية لا تُفوّت على نفس المنوال، يسير سهم شركة “فلاورز فودز” (FLO) التي اشتهرت بمنتجات المخبوزات وحافظت على مسار نمو مستقر وموثوق لعقود، لدرجة أنها كانت تجاري أداء مؤشر ناسداك في فترات كثيرة مع أمان أعلى وقت الانكماش الاقتصادي. السهم تهاوى بشكل كبير منذ منتصف 2023 بسبب الفائدة ومخاوف أدوية GLP-1 التي تصدرت المشهد، ليصل إلى سعر 8.87 دولار تقريباً. السهم الآن في قاع سعري رخيص جداً، والإدارة لم تمس التوزيعات التي تصل عائداتها حالياً إلى نسبة مذهلة تبلغ 11.1%. نسبة التوزيعات (Payout ratio) لا تزال تغطي الأرباح بأريحية رغم تراجع الهوامش، وهناك إجماع بين المحللين على تعافي هذه الهوامش تدريجياً في السنوات القادمة.
جي آند جي سناك فودز: جاهزة لانطلاقة قوية أخيراً، شركة “جي آند جي سناك فودز” (JJSF) المتخصصة في المشروبات المجمدة والوجبات الخفيفة. مجرد وجود كلمة “سناك” في اسم الشركة كان كافياً لإثارة رعب المستثمرين ودفعهم لبيع السهم بناءً على مخاوف أدوية سد الشهية. لكن لحسن الحظ، هذه المخاوف بدأت تفقد زخمها والشركة تظهر إشارات واضحة على تجاوزها المنعطف الصعب. السهم فقد حوالي 52% من أعلى قمة له ويتداول عند مستويات 87.06 دولار. شخصياً، أرى أن السهم لديه القدرة الكاملة على استعادة مستويات ما فوق 180 دولاراً خلال العامين القادمين، وربما أسرع من ذلك إذا لم تتأخر تخفيضات أسعار الفائدة كثيراً، خاصة وأن عائد التوزيعات البالغ 3.66% بدأ يصبح منافساً لعوائد سندات الخزانة. قد يبدو السهم بعلاوة سعرية بمكرر أرباح مستقبلي يبلغ 20 مرة، لكن بالعودة لتاريخ السهم الذي كان يتداول عادة بمكرر يقارب 35 مرة، ستدرك أنك أمام صفقة ممتازة.
الخلاصة هنا ليست مجرد استعراض لنتائج مالية عابرة؛ التذبذبات والانخفاضات هي جزء من حياة الشركات التي توزع أرباحاً، ولكن المستثمر الذي يمتلك الجرأة للشراء في أوقات التراجع، ويستمر في إعادة استثمار التوزيعات النقدية السخية طوال فترة الركود، سيحصد في النهاية عوائد تتجاوز بأشواط ما قد تقدمه له أسهم النمو البحتة.