شهدنا اليوم الخميس مشهداً مألوفاً يثلج صدور المكتتبين في السوق المالية السعودية “تداول”، حيث سجل سهم شركة “مياهنا” قفزة صاروخية ليغلق عند الحد الأعلى في أولى جلسات إدراجه. السهم الذي يحمل الرمز (2084) والرمز الدولي (SA562G5H0I13) بدأ رحلته بتطبيق حدود تذبذب سعرية يومية استثنائية تبلغ +/- 30%، مع تثبيت حدود التذبذب السعري عند +/- 10%. طبعاً، هذه المساحة الواسعة للحركة صُممت لتستمر للأيام الثلاثة الأولى من الإدراج فقط، لتعود المياه لمجاريها ابتداءً من الجلسة الرابعة، حيث ستتم إعادة ضبط التذبذب اليومي إلى المعتاد عند -/+ 10% وتُلغى الحدود الثابتة.
بالرجوع قليلاً إلى كواليس هذا الطرح، نجد أن “مياهنا” كانت قد حددت السعر النهائي مسبقاً عند 11.5 ريال للسهم. الإقبال كان شرساً كما كان متوقعاً، حيث تمت تغطية اكتتاب الأفراد، الذي شمل 9.65 مليون سهم، نحو 6.1 مرة خلال الفترة من 12 إلى 22 مايو الماضي. هذا الزخم دفع الشركة في 27 مايو لإعلان تخصيص 10 أسهم كحد أدنى لكل مكتتب فرد (ما يمثل نحو 20% من إجمالي الطرح)، بينما وُزعت الأسهم المتبقية بنسبة وتناسب بلغت تقريباً 11.6% بحسب حجم طلبات المكتتبين. وبناءً على هذه الأرقام، تقلصت حصة الفئات المشاركة (المؤسسات) إلى 38.62 مليون سهم، لتستحوذ على 80% من الكعكة.
حمى الاكتتابات المحلية مقابل ضبابية الأسواق العالمية
وسط هذه الحيوية والأرباح السريعة التي تفرزها الاكتتابات الأولية في سوقنا المحلي، قد يبدو الالتفات نحو الأسواق العالمية للبحث عن أسهم العوائد القيادية (Blue-chip) مجازفة غير مبررة أو سباحة عكس التيار. الصورة الكلية هناك تبدو معقدة؛ عوائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات تحوم حول 4.5%، والبنك المركزي الأمريكي (الفيدرالي) لا يزال يلوّح باحتمالية رفع أسعار الفائدة في النصف الثاني من العام إذا ظل التضخم عنيداً. أضف إلى ذلك أن مؤشر S&P 500 يتداول حالياً بمكرر ربحية مرتفع يبلغ 32 مرة، مما يجعله يبدو باهظ الثمن للمحافظ الاستثمارية المتحفظة.
كل هذه العوامل الماكرو-اقتصادية تدفع شريحة واسعة من المستثمرين للهرب نحو الملاذات الآمنة التقليدية؛ كالشهادات البنكية، أذونات الخزانة، وسندات الشركات ذات التصنيف الائتماني العالي. لكن في عالم الاستثمار، العزوف الجماعي يخلق دائماً فرصاً من ذهب. هذا الفتور تجاه أسهم التوزيعات النقدية يفتح باباً للمستثمر طويل الأجل —الذي يفكر بعقلية العقود لا الأرباع المالية— لبناء مراكز استثمارية قوية بتكلفة معقولة.
كيف تحول 3,000 دولار إلى ثروة متراكمة؟
لو افترضنا تخصيص مبلغ بسيط يقارب 3,000 دولار (نوالي 11 ألف ريال) لبناء محفظة أجيال، فإن قطاع البنية التحتية والطاقة يطرح نفسه بقوة، وتبرز هنا شركة “ويليامز” (The Williams Companies – المدرجة في نيويورك برمز WMB) كأحد أفضل الخيارات الاستراتيجية.
على عكس شركات التنقيب التي تتلاعب بها أسعار النفط، تعمل “ويليامز” في قطاع النقل الوسيط (Midstream)، حيث تدير شبكة ضخمة من خطوط الأنابيب تتجاوز 33 ألف ميل في الولايات المتحدة. نموذج عملها يشبه تماماً نظام بوابات الرسوم (Tolls)؛ فهي تتقاضى رسوماً ثابتة من شركات المنبع والمصب مقابل عبور الموارد في أنابيبها، مما يعزلها تماماً عن تقلبات أسواق السلع. وتركز الشركة بشكل شبه كامل على الغاز الطبيعي، وتحديداً عبر خطوط “ترانسكو” التي تمتد من تكساس لتغذي الساحل الشرقي الأمريكي. قوة الشركة تكمن في أنها تنقل بمفردها 30% من الغاز الطبيعي في أمريكا.
اللعب على وتر الذكاء الاصطناعي
هنا تتقاطع البنية التحتية التقليدية مع تكنولوجيا المستقبل. الغاز الذي تنقله “ويليامز” يشغل فعلياً ما يقارب نصف مراكز البيانات في الولايات المتحدة. ولاقتناص ثورة السحابة الإلكترونية والذكاء الاصطناعي المتعطشة للطاقة، بدأت الشركة بتطوير محطات “خلف العداد” (BTM) مباشرة عند مواقع مراكز البيانات، متجاوزة بذلك شبكات الكهرباء التقليدية لتوفر تدفقاً مستقراً وحصرياً من الطاقة لعمالقة التكنولوجيا.
هذا التموضع الاستراتيجي انعكس فوراً على دفاتر الشركة، حيث قفزت قيمة العقود المتراكمة (Backlog) من 11.8 مليار دولار في عام 2024 لتسجل 15.5 مليار دولار لعام 2025. هذه الأرقام تجعل “ويليامز” ورقة رابحة للنمو أكثر من غيرها في قطاع النقل الوسيط. المحللون يتوقعون نمواً مركباً (CAGR) للأرباح قبل الفوائد والضرائب والإهلاك (EBITDA) بنسبة 11% بين عامي 2025 و 2028.
رغم أن القيمة المؤسسية للشركة تبلغ 124.5 مليار دولار، إلا أن السهم يعتبر اليوم “لقطة” تسعيرية، إذ يتداول بمكرر 15 مرة فقط قياساً بالأرباح التشغيلية المتوقعة لهذا العام. وما يجعله استثماراً حديدياً لمدى الحياة هو التزام الشركة تجاه مساهميها؛ فهي تقدم عائداً مستقبلياً يبلغ 2.8%، وحافظت على رفع توزيعاتها النقدية سنوياً لعشر سنوات متتالية.