كرة القدم لم تعد تعترف بالتاريخ ولا بالأسماء الرنانة، هذه حقيقة نعيشها اليوم واقعاً ملموساً يتجاوز حدود المستطيل الأخضر ليصل إلى أروقة المكاتب وصناعة القرار الرياضي. فبينما تتهاوى قلاع كروية كبرى في الغرب، نرى في الشرق طموحاً لا سقف له، وكأن موازين القوى في اللعبة الشعبية الأولى تعيد تشكيل نفسها بطريقة دراماتيكية.
خيبة الأمل الألمانية الأخيرة في كأس العالم هي التجسيد الحرفي لهذا التحول. من كان يتخيل أن “الماكينات” ستتوقف بهذه الطريقة القاسية، وتودع البطولة من دور الـ32 على يد باراغواي، المصنفة 34 عالمياً؟ في ملعب جيليت بفوكسبورو الأمريكية، عاش الألمان كابوساً حقيقياً بعد تعادل إيجابي بهدف لمثله، ليحتكم الفريقان لركلات الترجيح التي طالما كانت الملعب المفضل للألمان، لكنها هذه المرة أدارت لهم ظهرها لأول مرة في تاريخ مشاركاتهم المونديالية.
المباراة بحد ذاتها كانت درساً في أن الاستحواذ لا يعني الانتصار. منتخب ألمانيا سيطر على الكرة بنسبة 78% في الشوط الأول، ورغم ذلك وجد نفسه متأخراً بهدف خوليو إنسيسو قبل نهاية الشوط بثلاث دقائق. ورغم أن كاي هافيرتز أعاد الأمور لنصابها بهدف التعادل في الدقيقة 54، إلا أن تقنية الفيديو (VAR) تدخلت لتلغي هدفاً لجوناثان تاه في الوقت الإضافي، وكأن الحظ يعاند الألمان. وفي دراما الركلات الترجيحية، أضاع هافيرتز ونيك فولتيماد وتاه ركلات حاسمة. ورغم أن باراغواي أهدرت فرصتين لإنهاء اللقاء، إلا أن خوسيه كانالي أطلق رصاصة الرحمة في مرحلة الموت المفاجئ.
القصة هنا ليست مجرد خسارة مباراة، بل هي انهيار لإرث ألماني صمد لعقود. الألمان فازوا بست من أصل سبع مواجهات بركلات الترجيح في البطولات الكبرى منذ خسارتهم في نهائي يورو 1976. وهذا الخروج يعمق جراحهم بعد الإقصاء من دور المجموعات في النسختين الماضيتين، ليفشلوا في تذوق طعم الفوز في الأدوار الإقصائية منذ تتويجهم باللقب في 2014. هافيرتز لخص هذه المرارة بكلمات مقتضبة حين قال إن الخطط كانت كبيرة ومن الصعب جداً أن يخيبوا الآمال مجدداً في ظل صعوبة خلق الفرص ومجاراة الرتم.
على الجانب الآخر، باراغواي كتبت التاريخ وثأرت لخسارتها بهدف نظيف أمام ألمانيا في دور الـ16 بمونديال 2002. هذا المنتخب الذي فشل في التسجيل في خمس مباريات إقصائية سابقة ولم يتأهل سوى مرة واحدة عام 2010 على حساب اليابان (بركلات الترجيح أيضاً قبل الخروج أمام إسبانيا)، أثبت أن الروح الجماعية تصنع الفارق. حارسهم أورلاندو جيل كشف سر التألق بالتأكيد على دراسة كل لاعب ألماني بتفاصيله، بينما شدد كانالي على تكاتف المجموعة واستحقاقهم لهذه اللحظة التاريخية.
هذا التمرد الكروي على الهيمنة التقليدية في المونديال يتقاطع بشكل عجيب مع ما يحدث في قارتنا الصفراء، حيث نشهد حراكاً استثنائياً لانتزاع الريادة الكروية. فبينما تتخبط أوروبا كروياً، تتسابق دول آسيا بشراسة لاستضافة كبرى الاستحقاقات. ونحن هنا في السعودية، نترقب بشغف قرعة كأس آسيا 2027 التي ستستضيفها المملكة في أبريل المقبل، لنؤكد مجدداً أننا أصبحنا الوجهة الأولى للأحداث الرياضية الكبرى.
لكن الصراع لم يتوقف عند 2027، فحمى الاستضافة امتدت لتشمل نسختي 2031 و2035. الأشقاء في الكويت أبدوا رغبة رسمية ودخلوا في منافسة قوية مع أستراليا وكوريا الجنوبية لاستضافة إحدى النسختين، في حين أعلنت اليابان رغبتها في التفرد باستضافة نسخة 2035. الملفات المتقدمة لنسخة 2031 تبدو مثيرة أيضاً، حيث تتنافس الهند وإندونيسيا، إلى جانب ملف مشترك طموح يجمع قرغيزستان وأوزبكستان وطاجيكستان، في سابقة تعكس رغبة دول وسط آسيا في الدخول بقوة على خط استضافة البطولات الكبرى.
الاتحاد الآسيوي، بقيادة الشيخ سلمان بن إبراهيم، يقرأ هذا المشهد بذكاء، ويتجه بخطوة استراتيجية نحو حسم هوية الدول المضيفة للنسختين معاً في اجتماع جمعية عمومية واحد. هذا التوجه لا يمنح الاستقرار للقارة فحسب، بل يرسل رسالة واضحة للعالم: الكرة الآسيوية تخطط لمستقبلها لعقد قادم، وتعمل مؤسساتياً لضمان أعلى درجات التنظيم، في وقت تبحث فيه منتخبات عريقة عن هويتها المفقودة في الملاعب المونديالية. الأيام القادمة ستشهد تنسيقاً مكثفاً لترتيب الأوراق المطلوبة، لكن الأكيد أن خريطة كرة القدم تتغير، ومن لا يواكب هذا التطور السريع، سيجد نفسه خارج الحسبة، تماماً كما حدث للماكينات في ليلة فوكسبورو الباردة.