عندما يحجب القمر ضوء الشمس عن كوكبنا نهاراً نكون على موعد مع ظاهرة الكسوف التي تحدث دائماً في طور المحاق، بينما يقع الخسوف ليلاً حين تمنع الأرض نور الشمس من الوصول إلى القمر في طور البدر، وهي ظاهرة يمكن رؤيتها من مساحات أوسع بكثير مقارنة بالكسوف. وفي عام 2026، ستكون الأرض مسرحاً لحدثين فلكيين بارزين لكسوف الشمس، مما يعيد تسليط الضوء على حركة الأجرام السماوية والطريقة المذهلة التي تتفاعل بها الكواكب والنجوم ضمن نظامنا الشمسي.
حلقة النار في سماء القطب الجنوبي
في السابع عشر من فبراير عام 2026، ستشهد الأرض كسوفاً حلقياً للشمس يُعرف فلكياً باسم “حلقة النار”. خلال هذا الحدث الذي سيستمر لدقيقتين وعشرين ثانية، سيغطي القمر نحو 96% من مركز الشمس. هذه الظاهرة الاستثنائية لن تكون متاحة للجميع، بل ستقتصر رؤيتها بشكل كامل على فرق البحث العلمي المتواجدة في القارة القطبية الجنوبية، مثل محطة كونكورديا الفرنسية الإيطالية في الداخل ومحطة ميرني الروسية في أرض الملكة ماري على ساحل بحر ديفيس. إلى جانب ذلك، سيُرى الكسوف في شكله الجزئي في جميع أنحاء القارة القطبية الجنوبية، ويمتد ليشمل أجزاء من جنوب أفريقيا والأرجنتين.
ظلام كلي يخيّم على أجزاء من أوروبا
الموعد الثاني سيكون في الثاني عشر من أغسطس من العام ذاته، حيث سيقدم القمر عرضاً فلكياً ساحراً بحجب ضوء الشمس بالكامل. سيستمر الظلام التام لدقيقتين وثماني عشرة ثانية، وسيكون مرئياً بوضوح من شرق غرينلاند وغرب أيسلندا وشمال إسبانيا. وفي الوقت الذي ستعيش فيه القارة الأوروبية بأكملها تجربة كسوف جزئي عميق، ستشهد أميركا الشمالية كسوفاً جزئياً طفيفاً.
هل تدور الكواكب حقاً حول الشمس؟
هذه الظواهر الدقيقة التي تعتمد على مواقع الأرض والقمر والشمس تقودنا إلى حقيقة علمية قد تبدو مفاجئة، فالمشتري وحتى كوكب الأرض لا يدوران تقنياً حول مركز الشمس. تعود جذور هذه الفكرة إلى السابع من يناير عام 1610، حين وجه غاليليو غاليلي منظاره البسيط نحو السماء ليراقب أقمار المشتري، مقدماً أول دليل ملموس على وجود أجرام سماوية لا تدور حول الأرض. كان هذا الاكتشاف بمثابة الضربة القاضية لنموذج النظام الشمسي القديم الذي افترض أن كوكبنا هو المركز، ومهّد الطريق لقبول النموذج الذي يضع الشمس في المنتصف.
ورغم أن الشمس تستحوذ على 99.86% من إجمالي كتلة النظام الشمسي، تاركة الكواكب والأقمار والكويكبات تتقاسم النسبة الضئيلة المتبقية، إلا أن قوانين الجاذبية تعمل في الاتجاهين. الكواكب لا تدور ببساطة حول الشمس، بل تدور هي والشمس معاً حول مركز كتلة مشترك يُعرف باسم “المركز الباريسنتري”.
وبما أن كتلة كوكب المشتري تعادل 318 ضعف كتلة الأرض، ويمثل وحده نحو 70% من كتلة النظام الشمسي المتبقية خارج الشمس، فإن الجاذبية المتبادلة تسحب مركز الكتلة المشترك ليقع فعلياً خارج سطح الشمس. المشهد ذاته يتكرر على نطاق أصغر في أرجاء الفضاء، فكوكب الأرض والقمر يدوران حول مركز كتلة يبعد حوالي 5000 كيلومتر عن مركز الأرض، وحتى أقمار بلوتو الخمسة لا تدور تقنياً حول مركز الكوكب القزم نفسه. فالنظام الشمسي بأكمله، كما توضح وكالة ناسا، يمتلك مركز كتلة مشتركاً تتراقص حوله الشمس والأرض وبقية الكواكب في نظام دقيق ومحكم.