اخبارية رفحاء

الزوار لهذا اليوم


تغذيات RSS

المقالات
مقالات عامة
مسكينة رفحاء..

مسكينة رفحاء..
09-09-1430 06:09 صباحاً


برتقالة بحجم البطيخة.. بلا طعم

image

عبدالله السفر

العلاقةُ الملتبسة مع صور الذات المتعدّدة الأقطاب بملامح زائغة لا تستقرّ؛ تنحلّ في وجود هلامي لا يتعيّن على نواةٍ صلبة تَمْثُلُ فيها الذات بـ \"أنا\" خالصة تتصالح مع المرآة؛ مع وجودها الاجتماعي مفردةً تنتمي ولا تطوِّح بها الوحشة. المدينةُ المائعة بين زمنين؛ زمن الأصالة بقيمه الضّاربة في الروح وعِرق الشجن تَصفعُ نبضَه شوكةُ الحنين مرتطماً بزمن الحداثة حيث التحوّل ينال من بنية المكان في الخارج بسيرة التطور والانتقال إلى ضفة الحضارة ومعها الإنسان يدفع ضريبة التحوّل من الداخل. التغيير من الخارج يطوي في ركابه جوهرةَ المعنى المستكنّة في صدفتِها منذ أجيال وادِعة في خيمةِ الشعر وبيت الطين وسوق الحلال. الجوهرةُ تذرّرتْ في مقالع الحجر ومصانع الطوب والإسمنت وفي نداء الحوّاس لإشباع نهمها الضّاري إلى لحظة مُستنفَدَة مفصولة عمّا يلي من وجودٍ ينجدل معناه من قيمٍ ليست من الآن؛ من لحظة الحاضر الفارغة.
وعندما ينحسر المعنى ويسقط سؤالُ الهويّة عن جذر الانتماء الذي يَهَبُ الطمأنينة والاستقرار؛ فإن انعدام التوازن هو ما يصعد إلى الواجهة. الكيان المشطور إلى جهتين قاصمتين مقصومتين؛ واحدة يستمد منها القيمة المشحونة بالفضائل وبالعواطف النبيلة والأخرى تفرغه منها، فتُعاش وضعيّةُ الاقتلاع شأنَ عشبةٍ بريّة اُنتزعت من تربتها عنوةً وتُركت لمصيرٍ تعبث به الرّياح؛ مصيرٍ تحزّهُ الغربةُ وانفكاكُ الارتباط بما يدعم من علاقات إنسانية وسط فضاء الألفة بما هي تاريخ وجغرافيا وأولاً وأخيراً \"إنسان\".
أحسب أن هذه الرؤية هي ما يتسرّب من حبر محمد الرطيّان في روايته ما تبقّى من أوراق محمد الوطبان (طوى ـ 2009). يقيم الكاتب تشاكلاً بين بطله ذي الأقنعة (محمد الوطبان؛ أبو معاذ الطائي؛ فارس سعيد) وبين مدينته الشمالية رفحاء الضائعة في خضم التحولات العمرانية والاقتصادية والاجتماعية، فتفلت منه. لا يقبض إلا على أطيافها البعيدة المغموسة في تذكار الغبطة ـ بلغة بسّام حجّار ـ تزيّنه صورٌ وأحداث ومواقف تُستعاد لتملأ مساحة خالية شاحبة، كأنها ثغرةٌ في الروح تعلِّم على وجودٍ ناقص مشوَّش ضربه العطبُ في موضعٍ حيويّ غير قابل للاستصلاح ولا للاسترجاع سواء للشخص أم للمدينة. الشخص الذي لا يتعرّف على ملامحه المثقلة بالأقنعة. المدينة التي غادرت زمن بكارتها الهانئ لتدهسها محدلة الحداثة. يكتب الوطبان في ورقته الثانية عنه وعن مدينته التي كفّتْ أن تكون قريةً بدويّة ولم تتلبّس تماما بصورة المدينة \"... أشعر أنها تشبهني كثيراً، لم أعد ذلك الولد البدوي الذي يفاخِر بحكايا أجداده ولم أستطع أن أصبح ابن المدينة\".. \"أشعر أنني وهي من الكائنات المشوّهة\".
هذه الكثافة الشعوريّة تفسّر لنا معنى الاستغراق في فراديس الماضي ببراءتها وطهرانيّتها في كنف العائلة المتعاضد أفرادها إنْ في المسرات أو الملمّات ويؤوون الغريب وينزلونه بينهم واحداً منهم؛ حليفاً له المأوى والمشاركة في الرزق وله اسمُ القبيلة العابر للحدود ولـ \"رسومات الجغرافيا\". إذا استحضرنا ذلك الزمن وقابلناه بالزمن الذي يناوئه ويجدّ في محوه، ربما، نفهم ورطة الأقنعة. ليس بما هي عليه والمُعطَى لنا في وقائع العمل؛ الضابط الذي ينتحل اسماً وشكلاً ويندسّ عيناً مراقبة وفاضحة للجماعة الإرهابية وحين تنقضي مهمّته يُرتّب له وضعٌ جديد يحرق معه وجودَهُ الثابت وقناعه في الجماعة ويُنْشِئ هيئة ثالثة عائمة في بركة الرّيبة والتوجّس تأخذه إلى وجودٍ غائب مُغفَل في مدينةٍ أخرى لا يستطيع الاستمرار فيها بحضورٍ خاوٍ يعجزه عن التطابق مع ذاته الحقيقية. يردّ على ضميره؛ أناه الأعلى في الورقة الثلاثين؛ يردّ تهمةَ الهذيان وهو يتصفّح وجوهه المقنّعة \"أحاول أن أقبض على ملامحي الحقيقية.. وأعرف أي الوجوه هو وجهي الحقيقي\" إن حقيقة محمد الوطبان باتت ضائعة مضيّعة. وهذا هو مجاز الشخصية الذي يتجاوز معطى الحدث ويصبح معادِلاً وتعبيراً عن \"رفحاء\"؛ المدينة المقدودة إلى خارج هويّتها. في ورقته الخامسة والثلاثين نقرأ نعيه الموجع \"مسكينة رفحاء.. لم يمنحها الزمن وقتاً إضافيّا لكي تستوعب ما يحدث. منحها الكثير من الوجوه الملوّنة، ولكنه سرق وجهها الحقيقي الأبيض الناصع\". الوجه الحقيقي المسروق؛ الضائع في لجّة التطوّر من يعيده؟.. هل تقنعنا \"البرتقالة بحجم البطيخة\" وتعوّضنا عن مذاقها المفقود؟.. هي الاستحالة التي جعلت محمد الوطبان يختفي تاركاً أوراقه في العهدة تحكي لزمنٍ قادم،ربما، بمقدوره أن \"يصنع تاريخاً لجغرافيا مهملة\".

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 102


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


عبدالله السفر
تقييم
0.00/10 (0 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

جميع الحقوق محفوظة(اخبارية رفحاء 2010 )