الثلاثاء 3 ربيع الأول 1439 / 21 نوفمبر 2017 أسمعنا رأيك أو شكواك أو اقتراحك
#إخبارية_رفحاء #عرعر #طريف
حلم ملك ..
01-22-1439 22:23:00 مساءً

حلم ملك ..

لطالما أعجبت بأشعار الملك الضليل - امرؤ القيس - وتمتعت بشاعريته وسبرت ألفاظ شعره لأتقفى ماوراء الأبيات من معان لطيفة لايقدر عليها إلا مثله ، لكني هذه المرة أمعنت النظر لبيت له ، وهو ينشده لصاحبه عمرو بن قميئة وقد لاحت لهما حدود الروم وأوشكا الخروج من حدود أراضي العرب آنذاك ، فبكى صديقه لاأعلم علة بكائه :
أهو هلعاً !
أم وحشةً !
أم تذكراً لديار الأهل والأحباب !
والمهم في ذلك لم يهن الملك الجريح - امرؤ القيس -،
ولم يبال بمشاعر صاحبه ولم يفقد صلابة عزيمةٍ في تلك اللحظة .

وإنها لحظة الضعف والخور ،
ولحظة القلق والشك ،
ولحظة الشؤم المجلجل في النفس الجاهلية !

كل ذلك ودموع صاحبه لم يهن من عزم الملك الجريح !
لأنه وراء هدف سامٍ يقتاده نحو البلاء والبلاء لايصير إلى الراحة والدعة !
والهدف أيضاً هو إرجاع مُلكٍ انتزع بالدماء ، وتخضب بالقهر ، ولم يكن من السهل أن يحلم حتى بالحياة النعيمة التي داؤها الإنتقام من قوم أولي بأس شديد سلبوا ملكه وقتلوا والده ، فكان بين خيارين صعبين هما تلخصا في هذين البيت :
نحاول ملكا أو نموت ونعذرا !

نعم لقد قالها لصاحبه عندما رأى دموعه تنهمر وقد أطلت عليهما صروح الروم :

بكى صاحبي لماّ رأى الدرب دونه ... وأيقنَ أنّا لاحقين بقيصرا
فقلت له : لاتبكِ عينكَ إنما ... نحاول ملكاً أو نموت فنعذرا

وما أن قفل من قيصر الروم حتى مات ذلك الملك الطريد أو الجريح في كلّ نُعت ، واختلف الرواة في سبب قتله ، لكنه مات فأعذرا .

تتكشف لنا هذا التجربة المريرة التي خاضها الملك والتي استصحب معها حلماً ، أراد في آخر حياته أن يحققه وأن له يوماً سيرى الواقع له ، والخروج من القلب إلى واقع يعيشه حالاً ، لكن الأحلام لاتتبنى أحداً من الناس ، وذلك لأن أقدار الله ماضية ، ومهيمنة على الحلم والواقع ، لكن قضاء الله لم يمنع الحلم والسعي الحثيث نحو تحقيقه .
ولربما تختلف الطباع وسعة الروح وتطلعها وحجم دائرة الهدف وهو الحلم أحياناً ، فكل ذلك يؤثر في جوهر هذا الحلم ، فالأحلام التي تراود النفس بعضها وضيع ، وبعضها سامي ، وبعضها متواضع البسطة ، وهلم ماجرا، لكن المتفق عليه أن النفوس الكبار لا تحلم بالحلم الدون ، ولا تنظر إليه ، ولايأتيها حتى على شكل خاطرة ، وسستتعب الأجساد الموصدة بأقفال النفوس العظيمة لأن الحلم ثقيل .
لكن السؤال مالذي يجعلنا نقول لصاحبنا الذي ينشد حلماً بسيطا أو هدفاً قريب المنال بنبرة واحدة :
أنت تحلم ؟!
أو كلا ، لاتستطيع !
بنبرة أقل حدة ؟!

لاأعلم أهو سؤال أم نهيٌ عن ذلك التفكير من أصله عندما تجيبه : أنت تحلم ؟
دعوه يحلم وشاركه في بسط شراع ذلك ودعه يمخر عباب هذه الحياة وهو يتذكر دعائك له :
وفقك الله .
وإن لم يقلها صاحبك وإن لم يبك كصاحب امرؤ القيس فقل لحلمك :
نحاول حلما أو نموت فنعذرا ..

نعم ظروفنا الإجتماعية وحاضنتنا التربوية كانت السبب من وراء نشوء هذه النفس القلقلة نحو الاعتناء بهذا الحلم وعدم التصريح بذلك مصيبة أخرى تعاضد الأولى وهكذا دواليك .
لكن الهدف لايتعثر للأسباب والبيئة بل يجول بآفاق النفس فيسحق أي هوان أو هنيهة تقف حيال سعيه .
وهاكم حارث بن حِلّزة وهو شاعر فحل من طبقة الشاعر صاحبنا امرؤ القيس ينشد وهو ينادي بعقر الأمل :

ويئستُ مما كان يُطمِعني
فيها ، ولا يُسليك كاليأسِ

وذلك لأن النفوس تختلف كما أن الأهداف تتباين .

آخر الكلام :

أجمل الرغبات في القلب تلك التي لا تتحقق .

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 560



خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


صالح الصعب
صالح الصعب

تقييم
3.84/10 (289 صوت)